صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

300

حركة الإصلاح الشيعي

الدقيق الذي يعطيه « مالينجو » كان ثمرة معاينته للحدث بنفسه معزّزة بنتائج استقصاء فعلي . ويزيد في فائدة هذا الوصف أنه يروي أحداث الاحتفالات بعاشوراء التي أقيمت سنة 1923 ، أي قبل سنتين من تحريم محسن الأمين لبعض الشعائر فيها . كان يجتمع شيعة دمشق ، إبان الأيام الأولى من شهر محرم ، عند « السيد محسن الكبير » أو عند أحد وجهاء الخراب ، لإقامة مجالس العزاء . ثم ينتقلون مساء اليوم التاسع إلى راوية ، فيمضون الليل بالبكاء في المسجد القائم قرب قبر السيدة زينب . وفي الصباح يحتشد ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف شخص حول مشهد السيدة ، وترفع الرايات السوداء على المئذنة والمدخل ؛ ويعودون إلى النحيب والبكاء . ثم يدخل المشهد ما ينوف على الخمسين شابا حفاة حالقي الرأس « حلقة عجمية » بتسمية أهل دمشق « 120 » ، ويقفون في دائرة بانتظار الإشارة - وهي نغم حزين يعزف على طبل وصنج وبوق - للبدء بضرب رؤوسهم بحد المناجل أو الخناجر أو المدى . وينطلق الموكب على صيحات « علي ! حيدر ! » ، ممزوجة بصراخ النساء . ويتشكل موكب آخر مؤلف ممّا يقارب المائة رجل يطلقون أيديهم في الفضاء وينهالون بها على صدورهم فتمتزج بضجيج الضرب والصراخ وآلات الموسيقى . ثم تتابع الشعائر القائمة على أذى النفس متقطعة إلى آخر الاحتفال و « إلى أن يظهر بينهم السيد الكبير » « 121 » . ولم تكن تمثّل وقعة كربلاء ، بل كانت ثلاث فرق تمثل الوصول إلى دمشق : السبايا متشحات ملطخات بالدماء يحملهن هودج ( وتؤدي أدوارهن بنات صغيرات ) ، الإمام الشاب زين العابدين ، مكبلا بالسلاسل ، معتمرا عمامة العلويين الخضراء ، حاملا القرآن بيمينه ، يزيد أمام جثة الحسين وعليها ثلاث يمامات محناة بدمه ، جاثمة على صدره . وكانت أعمال الشبيه في دمشق أقرب إلى أن تكون مشاهد حية تمثل أهل البيت وأعداءهم ، منها إلى المسرحية . ولم يحدد « مالينجو » من كان « السيد الكبير » الذي يظهر فجأة بين الجموع ليعطي إشارة النهاية في الاحتفال باعتبار أنه صاحبه الرزين ذو البأس . من المفروض منطقيا أن يكون محسن الأمين ، إلا أن ذلك يناقض جميع مصادري الشفهية ، وقد أكدوا جميعهم بما لا يترك مجالا للشك ، أن مجتهدنا لم يكن يحضر احتفالات عاشوراء في السيدة زينب . وذلك أن محسن الأمين ووجهاء حارة الخراب بمقتضى قول القائم على مشهد السيدة زينب وأقوال آخرين من شيعة دمشق ، كانوا يقاطعون الشبيه والشعائر القائمة على أذى النفس ، وذلك من قبل أن يطلق محسن الأمين إصلاحه ، مكتفين بإقامة مجالس العزاء في حيّهم . وقد أكّد محسن الأمين في سيرته ، أنه امتنع عن حضورها باستمرار « 122 » وعلى كل حال فإن مجتهدنا قد حرّم هذه الشعائر بعد عامين على وصف « مالينجو » لها .

--> ( 120 ) . المرجع السابق ص 261 . ( 121 ) . 271 . p , » tiS ed egalliv el snad e ? erb ? el ? ec samaD ed setiihC sel zehc aruohcA , ed et ? ef aL « . ( 122 ) . سيرته ص 157 .